← مجلة المعهد

من المحرر — حين يصبح الفن فكرًا

Editorial٣١‏/٠٨‏/٢٠٢٦بقلم Arch. Imad Darouich
من نيويورك، نفتح نافذةً لا يعود فيها الفن زينة، ولا العمارة حجرًا، ولا التراث ماضيًا نتحسّر عليه؛ بل تصبح الذاكرة مادةً للبناء، والجمال سؤالًا، والفكرة حجر الأساس لمستقبلٍ لم يُبنَ بعد.

حَيْثُ يَصْبِحُ الفَنُّ فِكْرًا

ليست هذه مجلّةً تُقرأ ثم تُغلق.

إنها باب.

نافذة.

وسؤالٌ تركناه مفتوحًا على المستقبل.

هنا قد يلتقي خطٌّ رُسم قبل ألف عام
بخوارزميةٍ وُلدت هذا الصباح.

هنا قد يجلس حجرٌ من دمشق
إلى جوار برجٍ من زجاج في مانهاتن.

هنا قد تدخل قرطبة في حوارٍ مع نيويورك.

وتتحول الهندسة إلى فلسفة.

والخط إلى عمارة.

والعمارة إلى ذاكرة.

ثم ترفض الذاكرة أن تبقى في الماضي.

لأننا في مجلة معهد الفن والعمارة الإسلامية — IIAA لا نسأل فقط:

ماذا ترك لنا الذين سبقونا؟

بل نسأل السؤال الأصعب:

ماذا سنترك نحن لمن سيأتي بعدنا؟


نحن لا نذهب إلى الماضي لكي نسكنه

الماضي جميل.

وأحيانًا يكون جميلًا إلى درجةٍ خطرة.

لأن الجمال قد يجعلنا نتوقف أمامه طويلًا.

نتأمله.

نمجّده.

ثم نبدأ بتقليده.

وهنا تموت الحضارات ببطء وهي تظن أنها تحافظ على نفسها.

فالحضارة لم يصنعها الذين كرروا ما كان.

بل الذين ورثوا شيئًا عظيمًا…

ثم امتلكوا الشجاعة ليضيفوا إليه شيئًا لم يكن موجودًا.

دمشق لم تكن نسخةً من روما.

بغداد لم تكن هامشًا على فارس.

وقرطبة لم تكن مجرد صدى للشرق.

كل مدينة عظيمة أخذت من الذاكرة شيئًا،

ثم أعادته إلى العالم بصورةٍ جديدة.

لهذا سندرس الماضي.

سنحترمه.

نوثقه.

نحميه.

وننصت طويلًا إلى حكمته.

لكننا لن نبني حوله قبرًا من الزجاج.

فالتراث الذي نجمّده نحفظ جسده.

أما التراث الذي نمنحه القدرة على الإبداع من جديد… فنحفظ روحه.


نيويورك — نافذتنا المفتوحة على العالم

ولعل نيويورك هي المكان الطبيعي لهذه المجلة.

مدينةٌ بُنيت من الوصول.

من السفن.

من الحقائب.

من اللهجات.

من البشر الذين حمل كلٌّ منهم مدينةً صغيرة داخل ذاكرته وجاء بها إلى هنا.

في أرصفتها تتقاطع اللغات.

وفي قطاراتها تجلس القارات إلى جوار بعضها.

كنيسة.

كنيس.

مسجد.

متحف.

مطعم صغير يحمل رائحة وطن بعيد.

وبرج زجاجي يصعد فوق مبنى عاش قرنًا آخر.

نيويورك ليست حكايةً واحدة.

إنها آلاف الحكايات التي تحاول كل يوم أن تتعلم كيف تسكن المكان نفسه.

ولهذا نحن هنا.

لا لنضع الفن والعمارة الإسلامية خارج العالم المعاصر ونطلب من الآخرين أن يأتوا لزيارتهما.

بل لنعيدهما إلى قلب الحوار.

لا كضيفين.

ولا كذكرى.

ولا كحنينٍ إلى زمن مضى.

بل كقوة قادرة على المشاركة في صناعة الزمن القادم.


الفن الإسلامي لم ينتهِ

لم ينتهِ الفن الإسلامي حين اكتملت القباب العظيمة.

ولم تتوقف العمارة الإسلامية عندما ارتفعت آخر مئذنة تاريخية.

ولم تكن المقرنصات والأرابيسك والأفنية والحدائق والخطوط نهاية الحكاية.

كانت إجابات عظيمة.

لكن لكل زمن أسئلته.

فماذا تصبح الهندسة الإسلامية في عصر التصميم الخوارزمي؟

ماذا تصبح المشربية عندما تلتقي بتكنولوجيا المناخ؟

ماذا يحدث حين يدخل الخط العربي إلى الفضاء الرقمي؟

وحين تدخل فكرة الفناء إلى المدينة العمودية؟

وحين تواجه حكمة الظل والماء والتهوية والتناسب أزمة المناخ؟

وحين يجلس الفنان أمام ذكاء اصطناعي يستطيع أن يرسم في ثوانٍ ما كان يحتاج أيامًا؟

ثم يأتي السؤال الذي يهمني أكثر من كل الأسئلة:

هل نستطيع أن نصنع شيئًا ينتمي تمامًا إلى عصرنا… دون أن نفقد روح المكان الذي جئنا منه؟

هنا تبدأ المجلة.


بين يد الحرفي ويد الخوارزمية

لقرون طويلة،

كان الجمال يمر عبر اليد.

الخطاط يمسك القلم.

النحات يلمس الحجر.

النجار يعرف الخشب بأصابعه.

والخزّاف يعرف الطين قبل أن يعرفه الفرن.

كانت المعرفة تنتقل:

من عينٍ إلى يد.

ومن معلّمٍ إلى تلميذ.

ومن جيلٍ إلى جيل.

أما اليوم،

فقد دخلت إلى المرسم يدٌ أخرى.

الخوارزمية.

الآلة ترسم.

تحسب.

تولّد.

تنمذج.

وتصنع في دقيقةٍ ألف احتمال.

لكن السرعة ليست حكمة.

والقدرة على التوليد ليست بالضرورة قدرةً على الخلق.

يمكن للآلة أن ترسم ألف نجمة هندسية.

لكن:

هل تعرف لماذا تستطيع نجمة واحدة أن تجعل الإنسان يقف أمامها صامتًا؟

نحن لا نخاف التكنولوجيا.

نريد أن نستقبلها ونحن نحمل ذاكرتنا.

لأن المستقبل ربما لن يولد من انتصار الآلة على اليد،

ولا من انتصار الماضي على المستقبل،

بل من اللحظة التي يتعلم فيها الاثنان كيف يتحدثان.


العمارة ليست بناءً

العمارة ليست واجهة.

وليست مخططًا.

ولا مادة.

ولا هيكلًا إنشائيًا.

كل ذلك أدوات.

أما البداية الحقيقية للعمارة فهي:

الإنسان.

حاجته إلى مأوى.

إلى كرامة.

إلى خصوصية.

إلى جماعة.

إلى ضوء.

إلى مكان يقول له:

أنت تنتمي إلى هنا.

وأحيانًا…

إلى زاوية صغيرة يستطيع فيها أن يصمت.

هناك مبانٍ صحيحة هندسيًا ولا تقول لنا شيئًا.

وهناك غرفة بسيطة قد تبقى في ذاكرتنا خمسين عامًا.

لماذا؟

ذلك السؤال يهمنا.

لأن أعظم عمارة ليست بالضرورة تلك التي نقف أمامها لالتقاط صورة.

أعظم عمارة هي التي يحدث بعد دخولها تغييرٌ صغير في داخل الإنسان.


الفن ليس زينة

الفن ليس ما نضيفه إلى الجدار بعد انتهاء البناء.

ليس إطارًا حول الحضارة.

إنه إحدى الطرق التي تنظر بها الحضارة إلى نفسها.

اللوحة تحفظ إحساسًا بعد رحيل صاحبه.

الخط يجعل اللغة فضاءً.

الهندسة تجعل الرياضيات تقترب من اللانهاية.

الصورة تحفظ مدينةً ربما لم تعد موجودة.

والنحت يمنح الصمت جسدًا.

الفن يبدأ غالبًا في اللحظة التي تصبح فيها الكلمات غير كافية.

ولهذا لن تسأل هذه المجلة فقط:

ما هذا؟

بل:

لماذا يهمنا؟

ماذا يتذكر؟

ماذا يغيّر؟

ماذا يرفض؟

ثم السؤال الأهم:

ماذا يستطيع أن يصبح غدًا؟


المدينة صفُّنا الدراسي

صفّنا ليس غرفةً داخل المعهد.

صفّنا هو نيويورك.

متاحفها.

شوارعها.

مساجدها.

كنائسها.

معابدها.

جامعاتها.

معارضها.

ورشها.

مواقع البناء فيها.

أحياؤها التي جاءت من العالم كله.

مبانيها القديمة.

أبراجها التي تبدو أحيانًا مستحيلة.

نجاحاتها.

أخطاؤها.

والناس الذين يمشون بينها.

نريد للطالب ألا يرى العمارة في شاشة فقط.

بل أن يقف تحت المبنى.

يلمس الحجر.

يراقب الظل وهو يتحرك.

يسمع المدينة من حوله.

ويرفع رأسه.

عندها فقط،

يتوقف المخطط عن كونه خطوطًا.

ويبدأ المبنى بالكلام.


مجلة للأسئلة… لا لليقين

سنكتب عن العمارة.

والفن.

والمدن.

والتراث.

والحرفة.

والتصميم.

والتعليم.

والتكنولوجيا.

والذكاء الاصطناعي.

والفنانين.

والمعماريين.

والثقافة البصرية الإسلامية.

والحضارات التي صنعت عالمنا وما تزال تشارك في صناعته.

لكننا لا نريد لكل مقال أن ينتهي بإجابة.

بعض المقالات يجب أن تنتهي بسؤالٍ أفضل.

لأن التعليم ليس أن ننقل يقيننا إلى الجيل التالي.

التعليم أن نوقظ فيه فضولًا لا يستطيع إسكاته.


للجيل الذي سيأتي بعدنا

في النهاية،

هذه المجلة ليست لنا وحدنا.

إنها لذلك الطفل الذي يرسم مسجدًا لم يوجد بعد.

للطالبة التي ترى الأرابيسك للمرة الأولى.

للفنان الذي يخشى أن يكون التراث قد قال كل شيء قبله.

للمعماري الذي يقف بين الذاكرة والحداثة ولا يريد التضحية بأيٍّ منهما.

وللمصمم الذي يستخدم أدواتٍ ما زلنا نحن أنفسنا نتعلم أسماءها.

لا أريد أن نعطي هذا الجيل متحفًا ونقول له:

لا تلمس.

أريد أن نعطيه حضارةً كاملة ونقول:

ادرسها.

اسألها.

أحبّها.

اختلف معها.

ثم اصنع شيئًا لم نكن نحن قادرين حتى على تخيّله.

هكذا يعيش التراث.

لا بالتكرار.

بل بالاستمرار.


دعوة

هذه المجلة دعوة.

للمعماري.

للفنان.

للطالب.

للمعلم.

للباحث.

للحرفي.

للمصمم.

ولكل إنسان ما زال قادرًا على الدهشة.

للمسلم وغير المسلم.

لنيويورك وللعالم.

تعال بما تعرف.

وبما تتذكر.

وبما تحب.

وبأسئلتك.

وتعال، قبل كل شيء،

بما لا تعرفه بعد.

لأن الحضارات لا تلتقي فقط في كتب التاريخ.

إنها تلتقي كلما امتلك إنسانان مختلفان الشجاعة لأن يصبح كلٌّ منهما فضوليًا تجاه الآخر.


البداية

نبدأ من نيويورك.

لكننا ننظر إلى دمشق.

والقاهرة.

وبغداد.

والقدس.

وإسطنبول.

وفاس.

وقرطبة.

وسمرقند.

وأصفهان.

ثم ننظر أبعد من ذلك كله…

إلى مدنٍ لم تُبنَ بعد.

نلتفت إلى الوراء،

لا لأننا نريد العودة.

بل لأن الذاكرة قد تكون أحيانًا بوصلة.

ثم نستدير نحو المستقبل.

ونبدأ الرسم.

خطًا.

فسؤالًا.

ففكرة.

فمدينة.

لأن أجمل مبنى ربما لم يُصمَّم بعد.

وأجمل زخرفة ربما لم تُرسم بعد.

وأهم حوار ربما لم يبدأ بعد.

وربما…

في مكانٍ ما من نيويورك،

سيقف طفل لم يسمع من قبل كلمة أرابيسك،

أمام خط هندسي واحد.

سيتبعه.

ثم يغيّره.

ثم يرسم شيئًا…

لم يره أحدٌ منا من قبل.

ذلك هو المستقبل الذي نريد أن نترك له مكانًا.


مجلة IIAA

حيث يصبح الفن فكرًا.

وحيث يصبح التراث احتمالًا.

وحيث تلتقي الذاكرة بالمستقبل… فتبدأ بالإبداع من جديد.

معهد الفن والعمارة الإسلامية — نيويورك

شاهد

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.

اكتب تعليقاً

يراجع فريقنا التعليقات قبل نشرها، لذا لن يظهر تعليقك فوراً.

لا يُنشر أبداً، ويُستخدم للرد عليك فقط.

العودة إلى المجلة